أحمد بن محمد مسكويه الرازي
20
تجارب الأمم
قال : « قل . » قلت : « تخبرني عن سبب طاعته لك مع تهاونه بأكثر أهل هذه الدولة ؟ » فقال : « يا هذا ، قد بلغت مرادك ، فلا تقطعني عن شغلي ومعاشي . » تفألححت عليه . قال : « أنا رجل أؤمّ وأقرأ [ 1 ] في هذا المسجد منذ أربعين سنة ، ومعاشي من هذه الخياطة ، وكنت منذ دهر قد صلَّيت المغرب ، وخرجت أريد منزلي ، فاجتزت برجل تركىّ كان في هذه الدار وقد تعلَّق بامرأة مجتازة وكانت جميلة ، وأدخلها إلى داره وهي تستغيث وليس أحد يغيثها . » [ 21 ] قال : « فرفقت بالتركىّ وسألته تركها ، فضرب رأسي بدبّوس وشجّنى وشتمني ، ويئست من المرأة وخلاصها ، وصرت إلى المنزل وغسلت الدم وشددت الشجّة واستروحت ، وخرجت أصلَّى العشاء الآخرة . فلمّا فرغنا قلت لمن حضر : قوموا معي إلى عدوّ الله ، هذا التركىّ ، لننكر عليه ولا نبرح حتّى نخرج المرأة . فقاموا معي وجئنا وصحنا على بابه فخرج إلينا في عدّة من غلمانه ، وقصدني من بين الجماعة فضربني ضربا مبرّحا كدت أتلف منه . فحملني الجيران إلى منزلي وعالجنى أهلي ونوّمت فلم أنم إلى نصف الليل . فقلت في نفسي هذا قد شرب إلى الآن ولا يعرف الأوقات ، فلو أذّنت لوقع له أنّه الفجر ، فلعلَّه يطلق عن المرأة . وكانت المرأة لمّا تعلَّق بها قالت : إنّ زوجي قد حلف بطلاقى ألَّا أبيت عن منزلي وأعظم ما علىّ أن أطلَّق وأبين منه فطمعت أن تلحق المرأة بمنزلها قبل الفجر وتسلم من أحد المكروهين . فخرجت متحاملا حتّى صعدت المنارة ، فأذّنت وجلست أتطلَّع منها إلى الطريق أرقب خروج المرأة ، فإن خرجت وإلَّا أقمت الصلاة لئلا يشكّ في
--> [ 1 ] . في مط : أقرئ .